السبت، 7 فبراير 2015

سامي غالب : دوري "المعمرين" يستأنف جولاته في الجنوب بعد اسقاط الدولة في صنعاء

دوري "المعمرين" يستأنف جولاته في الجنوب بعد اسقاط الدولة في صنعاء
______________________________________________
ارتد سلاح التقسيم الفدرالي الذي استهدف ما يسميه الحزب الاشتراكي "المركز المقدس" على اصحابه أجمعين (دعاة الاقليمني الاثنين ودعاة الاقاليم ال6).
***
قلت على الدوام إن الفدرالية بما هي دين "النخبة السياسية" بمختلف الوانها الايديولوجية، كلفت اليمنيين ضريبة باهظة من دون ان تتنزل فراديسها على الأرض.
الفدرالية بما هي دين _ يتوجب على الدوام التذكير بهذا_ تبشيرية وأخروية.
من زاوية، هي تبشيرية لأن حملة رايتها اليساريون والقوميون العرب والاسلاميون استعاضوا بها عن ايديولوجياتهم الآفلة. هكذا صار لدى المبشر الايديولوجي جنة جديدة _ 2 أإو 6_ يبشر بها اليمنيين الطيبين. والتبشيري هو شخص يذهب إلى الهدف دون تحسب للطريق. هو رغبوي متعال على التفاصيل والمعطيات والكُلف. ولذلك بشر رموز المرحلة الانتقالية اليمنيين بالجنة _ أو بالجنتين أو با الفراديس ال6_ بينما كانت الدولة التي تسلموها من النظام السابق تسقط في الفوضى.
وهي من زاوية ثانية" آخروية. فالرئيس هادي وقادة المشترك والدكاترة "فرانكشتاين" (!) لم يظهروا أدنى حساسية لما يحدث لليمنيين لأن "الجنة" على مبعدة شبر منهم. هم يشبهون الاستشهاديين (الانتخاريين) لكن هؤلاء يضخون بأرواحهم من أجل الجنة بينما هادي و "الدكاترة فرانكشتاين" يضحون بأرواح اليمنيين. ومن يستعيد ردات فعل هؤلاء التبشيريين القساة حيال النزيف في الأرواح والدماء الذي اصاب اليمن خلال السنوات ال3 الماضية سيتأكد بان السلم الأهلي هو آخر ما كان يشغل بالهم.
استطرادا، فإن الفدرالييين آخرويون لأنهم كذلك يبيعون لليمنيين الحاضر لقاء "آخرة" ينعمون بها. بكلمة أخرى، فإن دعاة الفدرالية هم تجار "افيون" من طراز جديد. وليس من قبيل المصادفة أن كبار الفدراليين هم أنفسهم كبار السياسيين، والسياسي بالتعريف الإجرائي هو "التاجر الذي يبيع الوطنية"، والوطنية في المرحلة الراهنة هي "الفدرالية" التي اجمعوا عليها في موفنبيك.
***
تتباعد المسافة بين اليمنيين وبين المستقبل الذي خرجوا من أجله قبل سنوات. والثابت أن الفدرالية من أي صنف أو عدد، تنطوي على إكراهات عظيمة. لا فروق جوهرية بين فدرالية الاقليمين وفيدرالية ال6 اقاليم التي تثير حروبا بين "التجار". المقسمون حول العدد هم أنفسهم الذين اتفقوا في نهاية 2012 على تجاهل عذابات اليمنيين وتأجيل انصاف المظلومين لأن "الجنة" هي المثوى. كذلك التقى الفدراليون جميعا على رفض التهيئة للحوار الوطني من أجل إبقاء خيار الفدرالية جذابا. وهم اختلفوا في التفاصيل لا في المبدأ.
بعد 3 سنوات من التجريف والتجديف باسم الفدرالية تشيع أجواء من الشك بيت اليمنيين. وبدلا من بناء دولة مواطنين تتغير التحالفات انطلاقا من "الخوف": الخوف من التقسيم، والخوف من الاقليمين، والخوف من الاقاليم ال6، والخوف من الاقاليم ال3.
***
استطاع الحوثيون حتى الآن اسقاط مشروع الاقاليم ال6. وهذا يغري دعاة الاقليمين بالتحالف معهم. لكن النتائج ليست مضمونة أبدا. تقسيم من أي نوع وعدد، يعني إخضاع فئات واسعة من اليمنيين لإكراهات طائفية او جهوية. تماما مثلما أن أي مشروع تسلطي استبدادي باسم الوحدة هو جريمة بحق اليمنيين جميعا.
اليمنيون ليسوا في وارد التكيف مع اي تقسيم فدرالي راهنا. والرهان على الاقليمين _ الذي يدفع الحزب الاشتراكي وشخصيات جنوبية وازنة_ هو نوع من إدمان المكيفات التي تحلق بالمدمنين بعيدا عن الواقع وتعقيداته. فالثابت ان تشظية اليمن _ كيانا وهوية_ يخدم طرفا واحد فقط في المرحلة الراهنة هو "الجماعات العنفية" التي تستزيد من "الكراهية" المحلية ومن البيئة الاقليمية المواتية. والنغمة السائدة في صراعات الاقليم هي التي ستسمع في اليمن الذي يصير أكثر لإاكثر، سنة وشيعة بدلا من شمال وجنوب او "مركز مقدس" وأطراف.
***
اليمن رغم كل التشوهات والعقد والصدوع الناجمة عن الحروب الداخلية، هو بلد اليمنيين جميعا. لكن المقامرة الحوثية تذكر اليمنيين بتواريخ اجدادهم الذين وجدوا انفسهم فريسة لقوة غاشمة في مطلع القرن ال20 اجتاحتهم باسم "أرض الآباء والأجداد".
هناك الآن من يغري عبدالملك الحوثي بمقايضة غير انسانية تقضي باستخلاص "الشمال" لنفسه ولمجاهديه مقابل ترك "الجنوب" الذي لا يعنيه، لحلفاء فدراليين جنوبيين.
كذلك هي الفدرالية لدى معتنقيها والمبشرين بها.
بينما يغرق اليمن كله في العنف والكراهية، يستعيد دعاة الاقليمين ال2 لياقتهم الكلامية مذكرين الحوثي بخيارهم الذي سيمكنه من حكم الشماليين بسلام.
***
ما هو البديل؟
الخيارات تنحسر وتتلاشى. والأزمة الوطنية اليمنية تقترب من نقطة اللا عودة. وبعبارة أخرى، ينحدر اليمن إلى ما تحت خط "الوعيد"_ باستعارة ثنائية مالك بن نبي. أي إلى مرحلة تلاشي الفروق بين الخيارات. مرحلة الانتحار. آية ذلك في اعتزال المبشرين الأوائل ( الرئيس وأبرز مستشاريه الذين يعتنقون دين الفدرالية). من هذه الزاوية يمكن قراءة بيان الحزب الاشتراكي بشأن الاعلان الدستوري _ الانقلابي_ للحوثيين باعتباره حشرجة رجل يحتضر. ذلك أن التذكير بخيار الاقليمين بينما عاصمة الدولة في قبضة جماعة مسلحة المدن الأخرى تحتشد بالعصبية والسلاح في مواجهة هذه الجماعة، هو ضرب من الاستجداء الذي لا يليق بحزب اليسار اليمني الذي كان رافدا رئيسيا من روافد الوطنية اليمنية.
***
صراع المعمرين في الجنوب:
المقامرة الحوثية أعادت روح الشباب إلى "المعمرين" في الجنوب. ومن الطريف أن أولئك الذين تصارعوا في الجنوب منذ الستينات يواصلون خوض جولاتهم القنالية حتى بعد أن بلغوا أرذل العمر.
من دون إيغال في التعميم أو توغل في الشؤون "العمرية"، يستلفت الانتباه هذا الصراع الأبدي بين "الزعامات" الجنوبية التي تتراوح اعمارها حول ال70.
من المثير، مثلا، ان أيا من هؤلاء الزعماء _ المتصاغرين المتهافتين على حكم الجنوب مجددا بالتشارك فيما بينهم أو باحتكار تمثيله استنادا الى حليف شمالي قوي أو تحالف اقليمي ودولي_ لا يفكر في كتابة سيرته ك"مناضل" منذ مطلع الستينات. وحتى أولئك الذين كتبوا مذكراتهم فإنهم امتنعوا عن نشرها خوفا من تأثير النشر على فرصهم في العودة إلى الحكم.
من يتابع السباق المحموم على الجنوب بين "الرجال الذين لا يشيبون أبدا" _ لكأنهم مصاصو دماء في أفلام الرعب الغربية_ تأخذه الدهشة. فالثابت أن رجال عقد الثامن من العمر _ أو نجوم القائمة الذهبية اليمنية (الذين يحتفلون منذ عامين بالعيد الذهبي لانخراطهم في النضال الوطني!)_ منغمسون جدا في الحرب على احتكار تمثيل الجنوب.
أولئك الذين اختلفوا في مطلع الستينات، وافترقوا في منتصفها، واقتتلوا في عقدي السبعينات والثمانينات، يخوضون جولة أخيرة في حرب اختكار تمثيل الجنوب وتملكه. يخوضون جولة تذكر بتلك المباريات الودية والخيرية التي تنظمها الدول والمنظمات الانسانية بين قدامي اللاعبين في اوروربا واميركا من اجل تخصيص ايراداتها لصالح الطفولة مثلا.
في اليمن يخوض اللاعبون القدامى مباريات تخلو من المتعة وغير ودية على الاطلاق. يذهب جزء من ريعها إلى جيوبهم ويهب الجزء الآخر إلى جيوب الجماعات المسلحة!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة